فوزي آل سيف
45
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
هكذا تحدث القرآن عن الحسد كيف تناول القرآن الكريم صفة الحسد؟ وكيف تحدث عنها؟ بنظرة فاحصة نجد أن القرآن الكريم قد تناول بالأسلوب القصصي الحسد، وآثاره، وأضراره، وشروره. وذلك عندما تحدث عن بعض القصص الفردية في حياة الأنبياء وأسرهم، وأيضًا عن حسد بعض أصحاب الديانات لدين الإسلام ونبيه. وكذلك ما تناوله داخل دائرة المسلمين وحسد بعض الفئات المسلمة لمن أنعم الله عليهم بنعمه.. ثلاث قصص قرآنية. سوف نشير إليها؛ الأولى: ما كان بين إبليس ونبي الله آدم عليه السلام. وقد ذكر القرآن الكريم أن الدافع الأساس لإبليس في رفضه السجود لآدم، التكبر من جهة، والحسد من جهة أخرى. وأما الأثر المترتب عليه: أنه سوف يعادي ذرية آدم إلى يوم القيامة. مختصر تلك القصة: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إبليس)[88]، (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا)[89]، إن الاستكبار والافتخار بالعنصر والذات منع إبليس من طاعة الله في السجود لآدم والاحترام لشأنه.. هل هذا يكفي؟ لقد تقدم خطوة للأمام فقال: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)، ولم يكتف بالاستكبار الداخلي ولا بالحسد القلبي بل أكد أنه سيسعى لإفشال نعمة الله على أبناء آدم من أن تأخذ مداها، وسيفسد على الساعين إلى الله طريقهم، (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (*) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) وهنا يتحول الحسد الداخلي إلى حركة فعلية خارجية، بعدما رأى إبليس أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى لآدم كرامة وأسجد له الملائكة، وحيث أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا في هذه الكرامة؛ لأنها من عند الله عز وجل. فليسع لإفشال أثرها في أولاد آدم وذريته ويسقطهم في مزالق المعاصي والشهوات. هذه هي الترجمة العملية لحسد إبليس لآدم. وقد تم التركيز في القرآن الكريم على تكبر إبليس على آدم وحسده إياه في أكثر من سورة. وأن إبليس قد أتبع ذلك الحسد الداخلي بِشر خارجي، وفعل إضراري بذرية آدم. وهذا قد يفسر لنا ماذا يعني قول القرآن الكريم: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)[90]. الثانية: قصة قابيل وهابيل. ومختصرها ما جاء في سورة المائدة: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[91].
--> 88 البقرة: 43 89 الاسراء: 61 90 الفلق: 5 91 المائدة: 27ـ 30